محمد ابو زهره
855
خاتم النبيين ( ص )
كان الأعراب بين منافق كافر غادر ، وبين مسلم يتربص الدوائر ، وبين مؤمن تقى طاهر ، ومهما يكن أمرهم فقد كان الإسلام ينتشر مع هذا الدخل ، وإن دخل الإسلام قلبا ، ولو على تردد فإنه بتوفيق اللّه تعالى ، ومن بعد ذلك يشرق إشراقا ، ثم يكون من ذلك إيمانا . وإن الحروب التي وقعت بين المشركين ومحمد صلى اللّه تعالى عليه وسلم ومن معه من المؤمنين كانت قوارع تقرع النفوس العربية ، فيهتز صداها في النفوس ، إذ خلاصتها أنها قتال بين التوحيد ديانة إبراهيم أبى العرب عليه السلام ، وباني البيت الحرام ، وبين الشرك فيدعوهم إلى التفكير بين الوحدانية والشرك ، وبين ملة إبراهيم محطم الأوثان ، وبين عبادة الأصنام ، فإن ذلك يدفع نفس العرب والأعراب إلى التفكير في الأمر تفكيرا من غير إرهاق . وفوق ذلك فإن الحرب بين الإيمان الذي ينصره اللّه تعالى ويؤيده ، والشرك الذي يتوالى خذلانه يدفع إلى تعرف السر في النصر مع قلة العدد ، والخذلان مع كثرته ، وإن واقعة الخندق وحدها داعية إلى التفكير في القوة الخفية التي نصرت محمدا صلى اللّه تعالى عليه وسلم ، إذ أرسل اللّه تعالى ريحا عاتية قلبت أوعيتهم ، وخلعت أخبيتهم ، وخلعت مع ذلك قلوبهم ، ففروا من اللقاء فرارا ، إن هذه وحدها قارعة تلفت العقول عن عبادة غير اللّه تعالى ، لأنها تدرك أن اللّه مؤيد دعاة التوحيد بغير ما يقدرون ، وما يقتدرون . وإن الغزوات الكبار كان بجانبها سرايا تنبث في أنحاء البلاد العربية داعية كاشفة هادية أو مقاتلة إن رأت غدرا وخيانة . وإن كل هذا يدفع إلى التفكير في الدين ، والموازنة بينه وبين عبادة الأوثان ، وإن الجمود على اتباع الآباء ولو كانوا لا يعقلون شيئا ولا يهتدون هو الذي يصم الآذان والقلوب عن إدراك الحق ، فقوارع الحرب تسمع الذين في آذانهم وقر ، وعلى أبصارهم غشاوة . وإذا فتحت المدارك اتجهت إلى الطريق المستقيم ، الذي لا عوج فيه ، ولا أمت . وفي الحق أن دعوة محمد صلى اللّه تعالى عليه وسلم صغت إليها قلوب الضعفاء ابتداء ، ثم كانوا من بعد قوة الإسلام التي أزعجت الكفر في مكامنه ، وهدته إلى مواطن الهداية . لا نقول إن الحرب أكرهت أحدا على الإيمان ، ولكن نقول إن قوة الحق أخذت غير المحاربين إلى محراب الإيمان فجاؤوا إليه طائعين مختارين ، ولأن انتصار المؤمنين لإيمانهم يجعل النفوس ترمقهم ، والقلوب تصغى إليهم .